سيد محمد طنطاوي
185
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( لا يَمَسُّه ) * هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى ؟ وكذلك اختلف في * ( الْمُطَهَّرُونَ ) * من هم ؟ . . فقال أنس وسعيد بن جبير : لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة . . وقيل المراد بالكتاب : المصحف الذي بأيدينا ، وهو الأظهر ، وقد روى مالك وغيره أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان في كتابه الذي كتبه إلى شرحبيل بن كلال . . . « ألا يمس القرآن إلا طاهر » . وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه : * ( لا يَمَسُّه إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) * فقام واغتسل . ثم أخذ الصحيفة التي بيدها ، وفيها القرآن . ثم قال : واختلف العلماء في مس المصحف على غير وضوء : فالجمهور على المنع . . . وفي مس الصبيان إياه على وجهين : أحدهما المنع اعتبارا بالبالغ والثاني الجواز ، لأنه لو منع لم يحفظ القرآن . لأن تعلمه حال الصغر ، ولأن الصبى وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة ، لأن النية لا تصح منه ، فإذا جاز أن يحمله على طهارة ، جاز أن يحمله محدثا « 1 » . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة بقوله : * ( تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) * أي : هذا الكتاب الكريم منزل من رب العالمين ، لا رب سواه ، ولا خالق غيره ، وبذلك يرى : أن هذه الآيات الكريمة ، قد وصف اللَّه - تعالى - فيها القرآن الكريم ، بجملة من الصفات الجليلة ، فقد وصفه - سبحانه - بأنه كريم ، ووصفه بأنه مصون ومحفوظ من أن يمسه أحد سوى ملائكته المقربين ، وسوى عباده المطهرين من الأحداث ، ووصفه بأنه منزل من عنده لا من عند أحد سواه كما زعم أولئك الجاهلون . ثم تتحدث السورة في أواخرها . بأسلوب مؤثر ، عن لحظات الموت . وعن اللحظات التي يفارق الإنسان فيها هذه الحياة ، وأحباؤه من حوله لا يملكون له نفعا . . وعن بيان الحالة التي يكون عليها هذا المفارق لهم ، فتقول : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 81 إلى 96 ] أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ( 81 ) وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ( 82 ) فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) وأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 ) ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه مِنْكُمْ ولكِنْ لا تُبْصِرُونَ ( 85 ) فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86 ) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 87 ) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 88 ) فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ ( 89 ) وأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ( 90 ) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ( 91 ) وأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ( 92 ) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ( 93 ) وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ( 94 ) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ( 95 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 96 )
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 326 .